قَطْعَةُ السُّكَّرِ / بقلمي: أحمد توفيق ***
قَطْعَةُ السُّكَّرِ
كَلِمَاتٌ بقلمي: أحمد توفيق
***
جَاءَ يَسْأَلُنِي شَرَابِي..
أَجَبْتُهُ قَهْوَةً..
بِلَا سُكَّرٍ، بِلَا بِنٍ..
بِلَا مَاءٍ
فَأَصَابَهُ مِنِّي الذُّهُولُ..
وَتَمْلِكُهُ مِنِّي الْفُضُولُ..
وَتَرَكَنِي وَكَأَنَّنِي..
مُدْمِنٌ فِي حَالِ اِنْتِشَاءِ
وَأَنَا أَنْظُرُ لِفِنْجَانٍ..
عَلَى الطَّاوِلَةِ الْوَرْدِيَّةِ..
يَرْتَفِعُ رُوَيْدًا رُوَيْدًا..
وَكَأَنَّهُ يَسْبَّحُ بِالْفَضَاءِ
يُلَامِسُ تِلْكَ الشِّفَاهَ..
فَيَصْبَجُ فِنْجَانَ وَرْدِيًّا..
تَحْمِلُهُ أَنَامِلُ حُورِيَّةٍ..
هَبَطَتْ مِنْ كَبِدِ السَّمَاءِ
أُشْعِلُ بِالرَّجْفَةِ غَلْيُونِي..
وَكُلُّ بَاقِي دُخَانِهِ..
يَدْخُلُ بِجِدَارِ عُيُونِي..
يُغْرِقُنِي فِي سَيِلِ بُكَاءٍ
فَأَسْبَحُ فِي أَنَامِلِهَا..
وَفِي فِنْجَانٍ يُقَبِّلُهَا..
فَأَطْلُبُ مِنْهُ يَتْرُكُهَا..
وَيَرْوِي ثُغْرِيَّ الْمُشْتَاقِ..
لِلْإِرْوَاءِ
مُحَلًّا بِدِفْءِ أَنَامِلِهَا..
وَتَرَشَّفَ عُمَرُي الْبَاقِي..
بِرَشْفَةِ ثَغْرِهَا الْفَتَّانِ..
فَلَا أَبْقَى مِنَ الْأَحْيَاءِ
وَتَحْمِلَ قَلْبِي الْمَغْلِيَّ..
عَلَى لَهِيبٍ مِنْ أَشْوَاقٍ..
فَيُصْبِحَ قَلْبِي الْمِسْكِينُ..
فَقِيرٌ، يَنْعَمَ بِكُلِّ ثَرَاءٍ
نَهَضْتُ إِلَيْهَا كَالْمَسْحُورِ..
وَعَيْنِيّ لَا تَفَارُقُهَا..
تُحِيطُهَا هَالَةٌ مِنْ نُورٍ..
تُضِيءُ الرُّكْنَ وَالْأَجْوَاءَ
رَجَفَتْ مِنِّي تَسْأَلُنِي..
لَمْ نَظَرَاتِي أَرَشَقَهَا..
عَلَى فِنْجَانِ قَهْوَتِهَا..
قُلْتُ: أَصَابَنِي الْإِعْيَاءُ
وَإِنِّي لِعِشْقِهَا مَسْحُورٌ..
عَشَقْتُ حَبَّةَ السُّكَّرِ بِشِفْتِيِّهَا..
وَبِفِنْجَانِيِّ قَهْوَتِي مَرَّةً..
تَتَوَقَّ لِلْمَسِّ شِفْتِيِّهَا بِكُلِّ حَيَاءٍ
يَا أَنْتَ أَنِّيُّ مَسْحُورٌ..
بِحَلَاَوَةِ حُبَّةِ السُّكَّرِ بِشِفْتَيْكِ..
وَقَهْوَتِي دُونَ سُكَّرِهَا..
تفور بِلَمْسِكِ الدَّافِئِ..
تُدْفِئُنِي، فِي بَرْدِ شِتَاءٍ
أَنَامِلُكِ تُحَلِّيهَا..
وَرَشْفَةً مِنْكِ تَكْفِيهَا..
فَتَرْوِي النَّبْضَ فِي الرَّمْضَاءِ
تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ بِفِنْجَانِهَا..
وَتَرَشَّفَ عُمَرِيَّ المَأْخُوذَ..
وَتَلَمَّسَنِي بِأَنَامِلِهَا..
فَلَا أَبْقَى مِنَ الْأَحْيَاءِ
***
نَظَرَتْ لِطَاوِلَتِي الْوَحِيدَةِ..
وَابْتَسَمَتْ تُحَاكِيهَا..
أَيْنَ الْقَهْوَةُ الْمَزْعُومَةُ أُخْفِّيِّهَا..
فَجَاءَ صَوْتُهَا يُطْرِبُ الْأَجْوَاءَ
وَأَرْخَتْ بِحَيَاءِ رُمُوشِهَا..
وَسَقَطَتْ فَوْقَ ظِلَالِ حَرِيرِهَا..
فَاِشْتَقْتُ غَفْوَةً بِظِلِّهَا..
تُدْفِئُنِي فِي أَحْلَى مَسَاءٍ
وَأَسْرَعَ النَّبْضُ فِي قَلْبِي..
فَأَلْهَثُ خَلْفَهُ تَعِبًا..
كَأَنِّي عَدَوْتُ أَمْيَالًا..
وَلَكِنْ ضَاعَ رَكْضِي هبَاءً
***
"أَدْنَتْ مِنِّي قَهْوتُهَا..
وَتَسْبِقُهَا ابْتِسَامَتُهَا..
وَجَاءَ الْفَارِسُ الْمَجْهُولُ..
يَسْبِقُنِي، فَتُعْطِيهِ أَنَامِلُهَا..
يُقْبِلُهَا وَتَتْرُكُنِي..
وَكَأَنِّي وَحْدِي بِالْبَيْدَاءِ
فَأَجْلِسُ حَوْلَ طَاوِلَتِي..
أَبْحَثُ فِي الْمَكَانِ عَنْهَا..
أَهْدِئُ قَلْبِي الْمَسْحُورِ..
أَلْمَلْمُ نَبْضِي الْمَنْثُورِ..
بِالْأَنْحَاءِ
فَأَمْسِكُ بِفِنْجَانِ قَهْوتها..
أُرْتَشِفُ مِنْهُ حَلَاوَتُهَا..
فَتُذَيِّبُنِي قِطْعَةُ السُّكَّرِ..
فَأَطْلُبُ قَهْوَةً أُخْرَى..
بِلَا سُكَّرٍ بِلَا بُنٍ..
بِلَا مَاءٍ"
تعليقات
إرسال تعليق