القطــــار /قصة قصيرة بقلمي/ أحمد توفيق
القطــــار
قصة قصيرة بقلمي/ أحمد توفيق
*******************
استلقى على مقعده في مقصورة الدرجة الأولى بالقطار المتجه إلى بلدته...
كانت عيناه تراقبان المشهد على رصيف المحطة من خلف زجاج نوافذ القطار، حيث تعصف الرياح ببعض الأشجار التي يراها خلف الرصيف كما لو كانت تحمل معها أسرارًا قديمة... ألقى برأسه إلى الخلف، يحاول الابتعاد عن ضجيج الرحلة الطويلة، مشاعر التعب تستبد به بينما يراقب الناس وكأنهم جميعًا يحملون على كاهلهم هموم الأرض.
– هل تسمح لي يا أستاذ؟
توجه نظره نحو الصوت، صوت ناعم يحمل في طياته طيفًا من الحزن... امرأة في العقد الثالث من عمرها، ارتدت عباءة عربية، كما لو كانت تحاول أن تخفي تحتها قصة أو حكاية لم تنتهِ بعد...
اعتدل في جلسته، يضم قدميه تحت المقعد، وهو يلاحظ باندهاش كيف أن مجرد ابتسامة منها تستطيع أن تشتت تركيزه... جلست أمامه، وضعت حقيبة يدها برقة كما لو كانت تضع قلبها على راحة يدها، ثم ابتسمت له ابتسامة خفيفة، لم تكن سوى تعبير عن شيء أكثر من المجاملة. نظرت إلى رصيف المحطة، ثم إليه:
– يا لها من محطة غريبة!!
بادرها بابتسامة مشوبة بالحزن:
– لهذا يطلقون عليها "المحطة الدولية".
– ولماذا يطلقون عليها هذا الاسم؟
– لأنها تمزج كل الجنسيات، من كل مكان، من كل لون... كلهم يتجمعون هنا، ينتظرون شيئًا ما.
أغمضت عينيها وكأنها تسلم نفسها لأفكار غامضة... أسندت رأسها إلى ظهر المقعد دون اكتراث، وكأنها تحاول الهروب من شيء ما، لا تعرفه هي نفسها.
نظر إليها مبتسمًا، وأعاد رأسه إلى الخلف مغمضًا عينيه، إلا أن هزّة شديدة على كتفه، وصوت أجش يقطع الصمت، جعله يفتح عينيه فجأة:
– تسمح... مكاني بجانبك.
نظر إليه... كان رجلًا ضخمًا يرتدي زيًا عسكريًا غريباً، كأنما خرج من حرب لم تنته بعد، يرمقه بنظرة حادة، وواصل الرجل حديثه بغطرسة ظاهرة:
– لقد حجزت هذا المقعد بالذات لأنه في موقع استراتيجي.
– ولكننا لسنا في حرب... بل في قطار!
– أعرف ذلك... لكنني أريد أن أراقب كل شيء، أريد أن أرى مَنْ في القطار ومَنْ يقف خارجه... اخترت هذا المقعد حتى يتسنى لي المراقبة والملاحظة في الداخل والخارج من القطار فالرحلة طويلة لا تنتهي.
اعتدل في جلسته، وتتسع عينيه في وجه الرجل، وهو يُلقي جسده جانبًا باتجاه النافذة، مشيرًا له في ضيق:
– تفضل، اجلس.
وأغمض عينيه مجددًا، محاولًا تجاهل ثقل وجوده.
انطلق القطار بسرعة، وكأن الأرض تهوي تحت عجلاته. أعمدة الإنارة، والأشجار المتراصة على الجانبين، بدت وكأنها تراقص الرياح، كأنها حركات رقصة محمومة على نغمات الحديد الذي يصطدم بالقضبان...
كان الصوت يرتفع، ويتسارع، وكان الزمن يمر بسرعة البرق أحياناً وبطيئاً أحياناً أخرى.
أفاق فجأة على صوت السيدة التي كانت تتحدث بغضب غير متوقع:
– لقد حجزت هذا المقعد بأكمله!
اعتدل الرجل ذو الزي العسكري ناحيتها في غلظة، كأن الكلمات في فمه تحمل رائحة لا تُطاق:
– ولكنني أفضّل هذا الجزء من المقعد، بجانبك.
نظر إلى السيدة التي بدت كما لو كانت في ساحة معركة صامتة، وشعر بغيرة تشتعل في قلبه، تلك الغيرة التي خرجت دون إرادة، كشرارة تلمس البنزين فتكاد أن تنفجر.
نظر إلى الرجل ذو الرتبة العالية، وتحداه بنظرة غاضبة:
– هذا مكان السيدة وحدها... أرجو أن تلتزم بمقعدك، ولا تنسَ أنك ضيف علينا، والضيف لا يحق له تجاوز حدوده... من فضلك، اجلس.
نظرت إليه السيدة، ابتسمت ابتسامة مليئة بالامتنان... كانت تلك الابتسامة أعمق من أي كلمة، وكأنها تروي قصة مشتركة بينهما. همست:
– أشكرك... فأنت قريب مني بالفعل.
– لا عليكِ... تمسكي بمقعدكِ، فهذا المكان لكِ وحدكِ.
وفجأة... سمع صوت مشادة كلامية وأصوات مرتفعة بين مفتش القطار وأحد الركاب، الذي كان يبدو كما لو كان يرتدي ملابس متواضعة، يضع يده في جيبه بإصرار، كمن يخبئ شيئًا ما... يصرخ فيه المفتش:
– مكانك في الدرجة الثالثة يا سيّد... أرجوك أن تعود إلى هناك، فأنا المفتش هنا!
اقتربت السيدة من جارها، هامسة في أذنه:
– ما الذي يحدث مع هذا الرجل؟
نظر خلفه، ثم عاد ينظر إليها مبتسمًا، وكأنما يسعى لإخفاء قلقه:
– يقول المفتش إنه يجب عليه العودة إلى الدرجة الثالثة.
– ولماذا؟
– هكذا القطار يا سيدتي... درجات، وكل درجة لها سماتها.
نظر خلفه مجددًا، فإذا بالرجل يتجه نحوه بكل كبرياء، يضع يده في جيبه، كأنه لا يخشى أحدًا...
همس له بصوت متوتر:
– الدرجة الثالثة لا تُطاق... شجار دائم، وقتل، وتدمير هناك.
تسمرت الكلمات في ذهنه، مثل خنجر مسموم... كانت الصدمة كبيرة، والقلق أكبر.
نظر إلى السيدة، وعيناه تشعّان بالدهشة:
– تقول شجار وقتل وتدمير؟!
– نعم.
– وكيف لا يفعل المفتش شيئًا؟ أليست هذه مسؤوليته؟ أين الأمن في هذا القطار؟ من فعل ذلك؟
اقترب منه الرجل وهمس في أذنه، مشيرًا نحو الرجل ذو الزيّ العسكري، كما لو كان يحذر من شيء أكبر:
– لا ترفع صوتك... من فعل ذلك هو مثل هذا الرجل العسكري بجانبك... وهذا قد يحدث هنا في الدرجة الأولى أيضًا.
قال كلماته، وعاد أدراجه، وهو ينظر إليه بقلق، ثم إلى الرجل العسكري في تحدٍّ صامت، وإلى المفتش في امتعاض.
اعتدل في جلسته، وظهرت على وجهه علامات قلق واضحة... نظر عبر النافذة...
كانت الأشجار تذوب بسرعة، وكأنها تحترق، تتساقط تحت عجلات القطار... شعر بدخان خانق يملأ الجو، لكنّه لم يكن دخانًا حقيقيًا، كان دخانًا من أفكاره، من مخاوفه التي كانت تلاحقه.
رفع بصره إلى السماء، فوجدها مغطاة بدخان أسود كثيف... قطرات مطر داكنة بدأت تتساقط على النافذة، وكأنها تمحو جميع الآمال...
وبحركة لا شعورية، أمسك بيد السيدة أمامه، كأنما يريد أن يثبت شيئًا لنفسه أكثر من أن يثبت لها:
– لا تتركي مكانكِ، يا سيدتي... لا تتركي مكانكِ أبدًا، ولا تسمحي له بالجلوس بجانبكِ.
وفجأة... شعر بهزات متتالية على كتفيه، ففتح عينيه مذعورًا...
نظر حوله، فإذا بالسيدة تبتسم له، وعلى وجهها علامات القلق... همست له:
– استيقظ... لقد وصلنا إلى نهاية الرحلة.
نظر حوله... كل شيء هادئ...
نظر بجانبه، فلم يرَ الرجل العسكري...
القطار يهدئ من سرعته... الأشجار على جانبي الطريق، تداعبها نسمات الليل الرقيقة...
– هل كنت نائمًا؟! الحمد لله... إنه كابوس.
نظرت إليه وهي تمسك بيده، مبتسمة:
– نعم... ولكنني سأعمل بمشورتك... لن أترك مكاني أبدًا لأي غريب، ما دمتَ بجانبي.
حاول النهوض ولكن صوت انفجار سُمع داخل القطار... أمسك بيدها وهو يحاول الحفاظ على توازنه وتوازنها فجلسا في مقعديهما وحدث هرج ومرج في القطار... سأل أحد القادمين من الدرجة الثالثة :
-ماذا حدث؟ ما هذا الصوت؟
أجابه في رعب:
-لقد انفجر شيء ما في الدرجة الثالثة واشتعلت فيها النيران.
نظر إلى السيدة وهو يمسك بيدها بقوة محذراً:
-يبدو أن الكابوس يتحقق، رجاء، لا تفارقي مكانك أبداً.
تعليقات
إرسال تعليق