تعجبني فكرة أولئك / الشمري نزهان الركاد
تعجبني فكرة أولئك الذين تخلّوا عن متعهم الصغيرة، عن تفاصيل الحياة التي يركض خلفها الجميع، ليزرعوا أنفسهم في تربة الوجع الجمعي.
أولئك الذين لم يروا في الذات مشروعًا مستقلًا، بل جسرًا لوطن يمشي على أكتافهم.
خلعوا عن أرواحهم الرغبات كما يُخلع الثوب عند ضفة النهر، ولبسوا الوطن كما تُلبَس الجراح؛ لا للزينة، بل للمعنى.
بقوا بلا زوجات، بلا أبناء، لا لأنهم لم يرغبوا، بل لأنهم آمنوا أن بعض الحيوات لا تتسع إلا لقضية واحدة.
وفي الليالي الطويلة، حيث تتكاثر الأسئلة ويقلّ الضوء، لم يكن في انتظارهم شخص، بل فكرة.
والفكرة، حين تُعاش بصدق، تملأ القلب كما لا يملؤه بشر.
هم وحدهم، نعم... ولكنهم ليسوا وحيدين.
فمن يسكنه وطن، لا يسكنه الفراغ، لأن امتلاء الوعي بالحقيقة، أصدق من امتلاء اليد بالطمأنينة الزائفة.
إنهم غرباء عن الحياة اليومية، لكنهم في صلب التاريخ.
وما الحياة، إن لم تكن بحثًا دائمًا عن ما يَفوق الذات... ويبرّرها؟
تعليقات
إرسال تعليق